10‏/6‏/2007

بين بئر معطلة و قصر مشيد


ليس أجمل لنفس شريد أشعث أغبر تسعرت جوانحه في لهيب التيه من بئر ماء يستقي منها و يرتوي
سيطيل البقاء بجانب ذلك البئر طلبا للراحه لكنه يوما سيرحل ..
فقصره المنشود مازال بعيدا و خمائله مازالت تلوح له أن أقترب و لا تيأس ..

في حرم الصحراء يسرق ساعات من النوم حتى يستطيع إستكمال معراجه .. و ليس من الغريب في تلك الجرداء ان يداعبه عقرب أو يناغشه ثعبان أو يهجم عليه وحش من وحوش البرية المتعطشة للدماء ..
و لكنه تعلم أن الموت في سبيل تحقيق أهدافه هو أعظم شرف يمكن أن يناله في حياته ..

قسوة الحياة صبغت طباعها على ملامحه و فقرها يعرف من هيئته و شدتها حفرت الشقوق في جسمه .
كان لا يأكل حتى يجد الطعام ليس حين يشعر بالجوع أيضا لا يشرب حين يظمأ و لكن حين يجد الماء .
إذا رأيت نحافته و ضعف بنيانه تعجبت من بقاءه حيا و لكن سيزول العجب إذا ما عرفت أن زاده الصبر و الإيمان و مشربه قوة الإرادة ، فهو يعيش من أجل هدف سيحققه يوما ما .
يحمله حلمه الذي إحتضنه منذ بداية الرحلة كأم تحمل طفلها ترضعه الأمل من ثديها فيتذوق طعم الحياة الأبيض .. فيطبق جفنيه و يسم نفسه لأحلامه و أفكاره و يدندن بلحن ينقله عبر شروخ الذكرى إلي جنان الأمل ..

برد الصحراء القارص و رياحه التي تجرد الصبار من أشواكه و لياليه حالكة السواد تشعرك و كأن لعنات الإله قد إنصبت على تلك البقعة الصماء من الأرض ، صفراء بلا ملامح ، مترامية ، كئيبة ، في شريعتها الأفكار رصاص و لا يشكل الحلم سوى القهر و الرجال قرابين القسوة ، صخور عارية عالية فوق تلك الصفحة الجرداء ، طلاسم سحرية رسمتها الرياح على الرمال و كأنها نقوش الجن ، فقط لا يستطيع هزيمة ذلك الفضاء الرملي إلا رجلا إستطاع فك رموز ما خلف اللوحات ..

لم يتصور أحد من عشيرته يوما أنه لن يعود فالجميع قد إتفقوا على أنه ليس كأي إنسان ، و لو كانوا في عصر أخر لجعلوه إله للتحدي و الإقدام ..
لم يتخيل أحد أنه بشر و أنه من الطبيعي أن ينجرف مع تيار اليأس فيعبس وجهه و يستكين متأوهة دموعه متذكرا وحدته و ضعف عتاده في مواجهة مجهول لا يعرف عن قوته شيئا و لا عن جبروته ، و لا يوجد في ذاكرته سوى أقاصيص الأولين الذين ساروا على نفس الدرب و لم يعودوا مرة أخرى ..
و فكره يترنح إلي ذكريات الماضي تاره فيؤلمه و يعيده تارة أخرى إلي الحاضر فيسأمه و ينقله إلي المستقبل فيستوحشه ..
يتلفت بحثا عن سفينة نوح أو عن أجنحة ملائكية فلا يجد سوى البرد المتجذر في متاهات نفسه ..

ثم ما يلبث أن يفيق من إستسلامه حين تداعبه أحلامه مرة أخرى فيرى جمال القصر أمام عينيه و علو حوائطه و كثرة خدمه و حشمه و خضرة جنانه و رغد عيشته فينهض من غفلته و يزأر كالأسد زئير تحدي و مواجهة فيسلم ساقيه للريح عدوا و هرولة ليرى ما تمنى حقيقة .
انه لا يتمنى الا عيشة كريمة بعد أن أرهقة الفقر و أعياه الإضطهاد في واحته ، و لم يخرج إلا رفضا لإستسلام أهلها و رضاهم بالذل و المسكنة ، و لن يعود إليها مرة أخرى إلا و قد ملك زمام أمره و مفاتيح عيشته ليغير مفاهيم الحياة في واحته ،، فحتى أحلامه الشخصية لم يحلمها لشخصه ، بل سخرها للناس و من أجل سعادة الناس ..

حين تودع الشمس صحراءه و يطمس نورها في الأفق البعيد لا تترك شيئا خلفها غير ظلام دامس و سواد مخيف ، ربما تترك خلفها أيضا قمرا و بعض نجمات مسخرات بأمر ربها هدى في الظلمات ، فعندما تتراقص النجوم و ترسل بريقها الوهاج فيشق الظلام ينير الطريق و يسير على حديث القمر المؤنس و سط السماء الرماديه المعتمه ..

مضى ما مضى من أيام عمره في صحراء لا يعرف لها بداية ولا نهاية تشابهت الأيام بالليالي و الليال بالأيام ..
توقف الزمان و أستكانت عقارب كل الساعات ، توقف الهواء ، و توقفت الأرض عن الدوران ، لمعت عيناه بنظرات براقة .. توقفت أنفاسه ، هاجت دماء شرايينه ، خفق قلبه بقوة و حرقة .
أخيرا تحطم قفل اليأس . فقد تلاقت عيناه بحلمه المنشود
لقد رأى قصره ..
و كوليد يخرج من رحم المعاناه سلم ساقاه للرياح يبغي مراده فيعود الزمن ليكمل تحركه و سريانه و لكن تلك المرة يسرع الزمن في التحرك و كأنه يسابق شيئا ما ..
يقترب أكثر من الحلم في سرعة و عجلة و يسابقة الزمن
و يسرع أكثر و أكثر و يقترب أكثر و مازال الوقت يسبقة ..

متسمرة قدماه أمام بوابة القصر يسترجع ذكريات الماضي المؤلم و يشاهد أمل المستقبل المشرق حتى ينفجر الباب من صدى الصرخات و ألوف الذكريات و شلالات الهموم التي تغرق قلبه فيسقط مغشيا عليه و تقترب نهاية تلك الروح و الزمن لا يتوقف ..
تدنوا منه سعادته التي حلم بها و جدران قصره و طيور حديقته فتهمس في أذنه ..
أي حلم قتلك ؟؟ .. أي ذكرى حطمتك ؟؟ .. لا تمت فأنا قد وهبت إليك ،..
إستجمع ما تبقى من روحه في ابتسامة حزينة ، ابتسامة تبكى من يراها ، و نظر إلي وردة حمراء في حديقته فمد يده و قطفها
ثم اشتم عبيرها و احتضنها حتى سقطت من يده و خرجت روحه تنظر إلي حلمه الذي عاش طيلة عمره سعيا لتحقيقه ..
---------------













حلمت بلا شيئ أو كل شيئ .. مرعب زحف الليل على الأفكار .. رجعت مرة أخرى إليّ و لكن ما وجدت أحدا بالانتظار ..حلمت بلا شيئ أو كل شيئ مستحيل .. و الطريق طويل و الصبر مرير ، توقفت حين لم أجد خطوتي التالية فقررت العوده و لكن دفعتني إليها أنفاسي الباقية ..
تلك الأشواك التي تدمي أيادينا تجعلنا نعرف روعة جمال الزهرات ، كذلك الأشواك التي تدمي قلوبنا تجعلنا نقدر جمال العيش و قيمة الحياة و لولا نزيف دماء القلوب ما شعرنا بقيمة أحلامنا حتى لو قضينا العمر كله بحثا عنها ..

هناك 3 تعليقات:

حزمــــــان يقول...

الحلم سلطان مغرور .. ملك الملوك المسموح له بالإستبداد و التكبر ..
فيا أيها الحلم كن طاغيا على ما سواك .. أحكم من عليائك بالإعدام على اليأس و الوخم و الإحباط ..
و أمنحني من سلطاتك ما يقومني لمحاربة من عاداك حتى أصل إليك و أنحني أمامك
فإذا خطت قدماي سجادة عرشك لا يهم أن تهبني ملكا
أو تأمر بقتلي
فما أعظم الموت على طريقك

حزمــــــان يقول...

أحلامنا هي العالم المتواري بين الخيال و الحقيقة ، بين الحياة و الموت

تلك الأرض التي لم تطأها قدم بشر و لن يطأها إلا أقدام من يصل إليها

أحلامنا هي ذلك السر الذي ينقلنا بين أضغاث أو كوابيس أو رؤي

أحيانا نحبها و نقاتل من أجلها و أحيانا نهابها و نخشاها

نراها غيبيه حقا لكنها تستحق أن نغوص في محيطاتها لنستخرج منها الدر

حزمــــــان يقول...

مازلت أحلم بلقاء يجمع شتات أحلامنا الضائعة و أهدافنا التائهة في دروب الوطن اليائس ... ما زلت أبحث عن طيف الأمل في وجوه من حولي ... ما زلت أنظم من حروف الحلم أبيات قصيدة الحياة ... ما زلت أغزل بخيوط الطموح درعا يقيني غزوات الدهر ...

مازلت و مازلت .. و لكن هل سأصمد للنهاية
إن لم أجد من يعينني فالهلكة لي و لمن معي